• التسجيل الان
    *
    *
    *
    *
    *
    لا بد من تعبئة الحقول التي تقابلها العلامة (*) .

تصويت الشهر

الموقع الرسمي للأستاذ الدكتور عبدالله حارسي قيد البناء، مرحبا بملاحظاتكم وتوجيهاتكم وآرائكم، كما نحيط عناية متصفحي الموقع أن سيشكل منصة تفاعلية بين كل المهتمين بالشأن الإداري والقانوني، فمرحبا بكم ونتمنى أن نكون عند حسن ظنكم

أنت متواجد في : الرئيسية ماستر الجماعات المحلية

ماستر الجماعات المحلية

أرسل لصديقك طباعة صيغة PDF

طلبة ماستر الجماعات المحلية في صورة مع الأستاذ الدكتور عبدالله حارسي منسق الماستر خلال فعاليات منتدى فاس التاسع حول تحالف الحضارات والتنوع الثقافي والشراكة الأورو-متوسطية

 

آخر الأخبار

Left direction
يعتبر النظام الإداري المعتمد بالجماعة المحلية أحد العوامل الأساسية والوسائل المهمة التي لها تأثير واضح على سير المرافق والمصالح والخدمات التي تهتم بها الجماعة ، إذ كلما كانت الهيكلة التنزيمية مضبوطة والأعمال موزعة بشكل واضح ودقيق وتم تحديد المسؤوليات كلما ساعد ذلك على اتخاذ الإجراءات والتدابير الملائمة في الوقت المناسب ، وتفادي التأخير والتردد في القيام بالأعمال اللازمة .
وانطلاقا من اختصاصات المجالس الجماعية المنصوص عليها في الميثاق الجماعي ، فإنه من اللازم أن يشتمل الهيكل التنظيمي للجماعة المحلية على المصالح التي تساعد على القيام بتلك الإختصاصات وتحقيق الأهداف المنشودة.
والواقع أن الهيكل التنظيمي للجماعة المحلية يختلف باختلاف العناصر التالية:
• كون الجماعة المحلية حضرية أم قروية.
• حجم الجماعة المحلية على مستوى المساحة والساكنة.
• طبيعة ونوع الخدمات المطلوبة
• الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة للجماعة
• أقدمية وتقاليد الجماعة المحلية
• طبيعة المرافق التي يشرف المجلس نفسه على تسييرها وامتغلالها بشكل مباشر، وك ذا عن طريق الإمتياز
لهذا وغيره، أصبح من المتعذر وضع هيكل تنظيمي رسمي قار وموحد لا يقبل الزيادة أو النقصان ، مما يتيح لكل جماعة إمكانية التصرف في هيكلها التنظيمي انطلاقا من مراعاة العوامل المشار إليها.
غير أنه يمكن اقتراح هيكل تنظيمي توفيقي يضم أهم المرافق والمصالح المطلوبة ، من شأنه أن يستجيب لأغلب الخدمات التي تقوم بها الجماعة.
والهيكل التنظيمي الذي نورده لا يعني ضرورة وجوده في كل جماعة، بل نعطيه هنا على سبيل المثال والإستئناس فحسب:
الهيكل التنظيمي:
1)الرئاسة: يعتبر رئيس المجلس الجماعي على رأس الهرم الإداري للجماعة، إذ يرجع إليه جميع الموظفين والمستشارين ورؤساء المصالح للبث في أي أمر يهم الجماعة، وله الحق في مراقبتهم من خلال المسؤوليات الموكلة إليهم. ويساعده في القيام بأعباء الجماعة مجموعة من الاجهزة الإدارية تتفرع إلى:
الكتابة، كتابة الضبط، الكتابة العامة، التعمير، الإقتصاد، الإعلام والإعلاميات، الشؤون القانونية والمنازعات ، التوثيق والإحصاء، الشؤون الإجتماعية والثقافية...
سنحاول إعطاء فكرة مركزة عن كل هذه الإدارات فيما يلي:
2)الكتابة : قد تكون هي الكتابة الخاصة أو كتابة المجلس ، ويمكن أن تضم كل ذلك حسب حجم الإهتمامات ، تتكلف بالإستقبالات والإجراءات المستعجلة، وتنظيم الملفات المعدة المصادقة، والإستدعاءات والزيارات والإتصالات الهاتفية، والخطب الرسمية التدخلات..... والمراسلات الخاصة بالرئاسة.
3)الكتابة العامة:يرأسها الكاتب العام ، يتكلف بشؤون الموظفين الإدارية والمالية والميزانية والصفقات والمحاسبة والتعويضات والتوظيف والتكوين. ويعتبر الكاتب العام الغطار المنسق بين الهيئة السياسية للجماعة ( المجلس) والهيئة الإدارية (المصالح الجماعية) وبالتالي بين جهاز التقرير والمصالح المنفذة .
4)كتابة الضبط: تشرف على جميع الصادرات والواردات وتضبطها وتوزيعها بشكل يضمن مسارها الأداري ولهذا المكتب فروع وعلاقة مع جميع المصالح بحيث يتعامل مع مكاتب الضبط الخاصة بكل مصلحة بغرض تنظيم التواصل الإداري وتوحيد أسلوب التوثيق المتبع.
5)التعمير: يهتم هذا المرفق بتسيير نشاطين أساسيين:
* الأنشطة المتعلقة بالأشغال والبنايات والصيانة والنظافة والإنارة العمومية والطرق والمرأب والأغراس والمناطق الخضراء....
* الأنشطة المتعلقة بدراسة الطلبات الخاصة بالتجزئات والتصاميم المعمارية والإصلاحات ومراقبة البناء والترميمات.
6)الإقتصاد: تتكلف مصلحة الإقتصاد بتنظيم موارد الجماعة والتزاماتها المالية ، فتباشر ضبط الجبايات والرسوم الدورية والسنوية والمؤقتة بجميع أصنافها ، وتراقب المؤسسات الصناعية والسياحية والأسواق.
7)الإعلام والإعلاميات: تساهم هذه الإدارة في :
* الإرشاد والتوجيه والتوعية
* ضبط المعلومات واستثمارها وتطويرها وترشيد استغلالها
* العلاقات الخارجية مع الإدارات والمصالح العامة والخاصة.
8 )الشؤون القانونية والمنازعات: تقوم هذه الإدارة بعدة أعمال أهمها:
* الإستشارات القانونية ، وإعداد مشاريع تنظيمية وتطوير التسيير الإداري ، ومراجعة النصوص المحلية لملاءمتها مع المستجدات الوطنية.
* تلقي الشكايات ودراستها وإعداد الأجوبة والإجراءات التي تتطلبها المرافق اللازمة.
9)لتوثيق والإمضاء: تقوم هذه المصلحة بمهمتين أساسيتين:
* الجرود والإحصاءات المتعلقة بالسكان والسكنى والحاجيات الإجتماعية والدراسات المتعلقة بتطور الحياة المحلية مقارنة مع الواقع الوطني وآفاق المستقبل.
* ضبط الوثائق والمستندات والملفات والمراسلات والمذكرات والدوريات والمحاضر والتقارير .... وجميع المنشورات التي تصدرها الجماعة أو ترد عليها.
10)الشؤون الاجتماعية والثقافية: يسهر هذا المرفق على تنشيط الحركة الثقافية والتربوية والترفيهية، والرعاية الصحية والتوعية ومساعدة الجمعيات والمنظمات الإنسانية والتربوية.....
أصبحت خدمات الجماعات المحلية بحكم التطور السريع للعمران وللخدمات الحضرية مدعوة اليوم أكثر من ذي قبل لتطوير أساليب عملها وتحسين أدائها كما ونوعا حتى تساير توسع المجال و انتظارات المواطنين و المواطنات الآنية والمتوسطة والطويلة الأمد.
وتــطوير خدمات الجماعات المحلية يعتمد على عنصرين أساسيين: الفعالية و الحداثة. ولأجل تفعيل هذا التوجه، انخرطت الخدمات الجماعية في أساليب جديدة لتدبير الشأن العام المحلي تعتمد سياسة القرب عبر التأسيس لمبادرة الأحياء التي تدمج جميع ساكنة الجماعة.

بالموازاة اعتماد مقاربة عملية لتدبير الأملاك الجماعية، كما تم تطوير أداء الموظف الجماعي عبر التكوين وإعادة التكوين وتحسين خدمات الاستقبال بهذا المرفق العمومي الهام.

الجماعات المحلية كائن قانوني ذو شخصية معنوية ومتوفرة على صلاحية تدبير مصالحها الخاصة بمجال معين عن طريق أعضاء منتخبين. فالجماعة هي المجال السياسي الأكثر قربا من المواطن. كما أن اختصاصات الجماعة مرتبطة بكل القضايا التي تهم المجال أو الساكنة.

إن العمل بالجماعات المحلية متجدر في تاريخ المغرب، لكنه عرف تطورا كبيرا منذ عهد الاستقلال. فلم تعد المدن المتوسطة, بحكم الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المرتبطة بالوظائف الحضرية المتطورة، مقتصرة على مهام الادارة العمومية (كالحالة المدنية والرخص الإدارية والمساعدة الاجتماعية ...) بل تطورت حقول تدخلاتها وتشعبت مجالات اختصاصها.

فمبدأ اللآمركزية الجاري به العمل حتى يومنا هذا بمقتضى ظهيري 23 يونيو 1960 وظهير 30 شتنبر 1976 مكن المدن المغربية من توسيع مجالات الاختصاص إلى انشغالات أوسع تهم المشاكل الجديدة المرتبطة بتطور المجتمع وتهيأت من خلاله عدد من الشروط التي أظهرت وظائف جديدة للجماعة، فأهلتها لتكون قاطرة للتنمية.

وهي الشروط التي تضمنها الميثاق الجديد للجماعات المحلية رقم 297-02-1 الصادر بتاريخ 25 رجب 1423 الموافق ل 3 أكتوبر 2002 الذي أعاد هيكلة مؤسسة الجماعة إداريا وتقنيا وبشريا كأداة جوهرية لترسيخ الديمقراطية المحلية الحقيقية وتحديث المجتمع.

لقد تطلب تطور الجماعات المحلية في شتى تجلياته الكمية والنوعية مراجعة منهجية الأداء بالإدارة الجماعية وطريقة التعامل مع الأطراف المؤثرة في السياسة المحلية.

فعلى ضوء التحولات التي واكبت تطور المجالس الجماعية ببلادنا، وحفاظا على توازن النسق الجماعي لا بد من هيكلة إدارية لملائمة الأسس البنيوية الجماعية مع المعطيات الجديدة.

وقصد تحقيق التداخل المثمر والتنسيق المستمر وتبادل المعلومات وتحسين جودة الخدمات الجماعية، ومن أجل تثبيت علاقات عامة في خدمة التنمية المحلية ,وحتى يكون المجلس الحضري عند حسن ظن سكان المدينة ويحظى برضى مكونات المجتمع المدني واقتناعها بالبناء المشترك، تم تبني هيكل تنظيمي الجماعات المحلية يحدد موقع كل بنية قصد تنظيم المصالح وضبط المسؤوليات وتقسيم العمل.

لكن الهيكلة الادارية تبقى إطارا فارغا إذا لم يساير الهيكل التنظيمي حاجيات المجتمع المحلي وتطورات المجتمع ككل، وإذا لم تتوفر الجماعة على الموارد البشرية القادرة على تحقيق تنميتها.

يعتبر العنصر البشري الركيزة الأساسية لكل تطور سياسي أو إداري بمجال ترابي معين. فهو وسيلة وهدف في نفس الآن:

وسـيــلـة: لأنه التجسيد العملي للقرارات السياسية والإدارية المتخذة من طرف المجلس البلدي للمدينة،

هــدف: لأن كل قرار جماعي يسعى في عمقه إلى خدمة المواطن أو تنظيم نشاطه أو جانب من جوانب حياته اليومية.

إن الموظف الجماعي، باشتغاله بالإدارة المحلية الأكثر قربا من السكان يضع نفسه رهن إشارة المواطنين. فالبمقارنة مع إدارات ومؤسسات أخرى، فهو مدعو أكثر من غيره لاعتماد سياسة القرب في منهجية العمل وفي تسخير وسائل وآليات البلدية وفي اقتراح السبل الملائمة لتنفيذ قرارات المجلس، وفي خلق الحيوية اللآزمة التي تضفي روح الخلق والابداع والمبادرة في العمل الاداري المحض.


ومهما كانت أهمية وظيفة الموظف والعون الجماعي ، فلديه مسؤوليات على مستوى:

نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين

على المنتخبين والموظفين والأعوان الجماعيين أن يقدموا للمواطن التزنيتي خدمات في المستوى تلبي حاجياته الحقيقية.

إذن, فالموظف الجماعي "مـسـؤولـ" تجاه المواطنين.

استقبال المواطنين

الموظف الجماعي مدعو كل يوم ليكون على اتصال مباشر بالمواطنين.

إن نوعية وطبيعة عمله وفعالية مبادراته مع كل شخص شخص هي التي تبني صورة الجماعة وتعزز مصداقيتها تجاه المواطن.

فهو المرآة التي تنعكس على صفحتها كل مجهودات الجماعة المحلية.

إذن, فالموظف الجماعي "ممـثـل " للمؤسسة الجماعية.

الواجب والرزانة في الأداء

لكي نبني ونؤسس للعمل الجماعي المسؤول ونعزز الثقة التي تحظى بها المؤسسة الجماعية لدى المواطن التزنيتي، فعلى الموظفين الجماعيين أن يجعلوا من إخبار المواطنين واجبا ومن السرية المهنية قاعدة أساسية.

فلكل خدمة جماعية مقدمة للمواطنين وأثناء أي حديث أو مكالمة مهنية أو عند استلام أي وثيقة إدارية أو عند الإطلاع على وثائق ومعلومات في سياق وظيفته بالجماعة، يكون الموظف الجماعي ملزما على الدوام بالسرية المهنية.

إن ثقة المواطنين في المؤسسة الجماعية لن تتعزز أكثر إلا إذا توفر هذا الواجب المهني الأساسي.

مقدمة :
أضحت الجماعات المحلية المغربية في الآونة الأخيرة إحدى المحددات الرئيسية للتدخلات العمومية في مختلف مظاهر الحياة العامة للدولة.
ولم تأت هذه الأهمية بمحض الصدفة ولا من فراغ، بل كانت نتيجة طبيع ي ة لتطورات وطنية ودولية أملتها ظروف ومعطيات معينة أفرزت لنا وحدات ترابية مبادرة، نشيطة، فعالة وساهرة على تدبير الشأن العام المحلي ومساهمة في القضايا الكبرى للبلاد.
ومن جملة تلك الظروف المتحكمة في تنامي دور الجماعات المحلية، ما يتعلق بالعوامل الدولية والمتجلية أساسا في انتشار الفكر الديمقراطي والمشاركة السياسية ودعائم دولة الحق والقانون [1] التي تدعو إلى إشراك الساكنة المحلية في جميع المبادرات التي تهم الشأن العام المحلي حتى تكون أكثر إسهاما في التعاطي مع الرهانات المطروحة عليها.
وإلى جانب ذلك، ساهمت العولمة بكل تجلياتها في تجاوز المفهوم التقليدي للحدود المتعارف عليها إلى مفهوم أكثر امتدادا وشمولا للمعرفة والاقتصاد والسوق بحيث لا تعترف بالجهود الانفرادية للدولة المركزية، بل تضع من الفكر التشاركي إحدى المبادئ الأساسية للتنمية المستديمة.
كما جاءت التوصيات الصادرة عن الهي آ ت المالية الدولية كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي لتحث الدولة على إشراك فاعلين اقتصاديين آخرين لحل إشكالية التنمية والنمو [2]، وفي هذا الصدد يمكن التذكير مثلا بالتقرير الشهير للبنك الدولي سنة 1995 بخصوص وضعية الإدارة المغربية، والذي من جملة ما دعا إليه هو البحث عن أدوار جديدة للجماعات المحلية وتقوية مساهمتها في تدبير الشأن العام المحلي والوطني.
وإذا كانت العوامل الدولية قد ساهمت بشكل كبير في تنامي الجماعات المحلية للعب دور أكثر ديناميكية، فإن المعطيات الداخلية كرست أيضا هذه الطفرة نتيجة عدة أسباب من بينها تراجع دور الدولة بسبب أزمة القطاع العام وتزايد النفقات العمومية وسوء التسيير [3]، زيادة على مشكل المديونية وضعف مؤشرات الاقتصاد وانتشار الفقر والأمية والإقصاء الاجتماعي.
كما أن القطاع الخاص اتسم ولفترات طويلة بالهشاشة وضعف ومحدودية تدخلاته، علما أن المشاريع التي تبرمجها الدولة تحتاج إلى تكلفة كبيرة وإمكانيات جد هامة عادة ما تتجاوز إمكانيات القطاع الخاص.



وإلى جانب هذا، منحت القوانين المؤطرة للجماعات المحلية ولا سيما الأخيرة منها عدة إمكانيات للتدخل الاقتصادي إما بشكل مباشر أو بالدخول في شراكة مع فرقاء وفعاليات أخرى أو الإنفتاح كليا على القطاع الخاص.



إلا أنه، وبالرغم من هاته العوامل المساعدة والمحفزة لدور الجماعات المحلية في تنشيط الحياة الاقتصادية المحلية ودخول مجال التنافسية والاستثمار والانفتاح على المبادرات الخارجية، فلازالت هناك عدة رهانات جد مهمة تتطلب التعبئة والتخطيط. فالنمو السكاني بالمغرب انتقل من 15.379.254 نسمة سنة 1971 إلى 29.892.000 نسمة سنة 2004 . كما أن معدل التحضر ارتفع في نفس الفترة من %35 إلى %55,1 ، ويتوقع أن تبلغ ساكنة المغرب في سنة 2014 رقم 35 مليون نسمة بمعدل للتحضر يصل إلى [4] %65 .



وبالنظر إلى حجم هذا النمو، فإن الأمر يتطلب تجهيز حوالي 3000 هكتار سنويا قصد الاستجابة لحاجيات الأسر بإقامة مساكن وتجهيزات ومناطق للأنشطة الاقتصادية التي تحتم سنويا تعبئة 1,8 مليار درهم [5].



وإذا أخذنا كذلك على سبيل المثال حاجيات الساكنة من التطهير السائل وتصفية المياه العادمة، فإنه يجب تعبئة أكثر من 20,7 مليار درهم، أي ما يعادل ملياري درهم سنويا إلى غاية 2015 [6].



إن اعتبار الجماعات المحلية كشريك للدولة إلى جانب المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، يحتم ولاشك أن تقوم هذه الجماعات بأدوار كبيرة ومتنوعة على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.



غير أنه بالرجوع إلى تجربة الجماعات المحلية طيلة الأربع عقود التي خلت، نجد أنها مازالت تعاني من إكراهات كثيرة وصعوبات عميقة نتيجة عوامل متداخلة ومعقدة. فالإطار المؤسساتي غلب عليه التسيير التقليدي نتيجة سوء التنظيم وتبذير الإمكانيات وطاقات الجماعة عوض استثمارها في مجالات وقطاعات منتجة تعود بالنفع على الساكنة. كما أن النصوص القانونية المحلية عانت بدورها من العمومية والمصطلحات الفضفاضة وتداخل في الاختصاص والمسؤوليات. وقد زاد من ضعف مردودية الوحدات اللامركزية محدودية كفاءة الموارد البشرية، سواء تعلق الأمر بالمنتخبين أو الموظفين المحليين اللذين بقوا قيد الإطار الكلاسيكي لتسيير الجماعات والمحددة أساسا في تقديم الشواهد الإدارية والأعمال اليومية الروتينية.



وإلى جانب هاته الإكراهات، فقد شهدت الجماعات المحلية امتدادا مجاليا واسعا، لكن بتوزيع مختل وغير منظم بسبب النقص في البنيات التحتية والتجهيزات، وتدهور المرافق العمومية، خاصة في مجال إيصال الماء والكهرباء والتطهير، وكذا مشاكل على صعيد قطاع النقل وضعف وسائل النقل العمومي.



ولم يخرج المجال العمراني عن هذه الاختلالات، إذ شهدت بعض المدن توسعا مضطردا في البناء العشوائي وانتشار مدن الصفيح والسكن غير اللائق وغياب الجمالية المعمارية المحلية والمتوازنة وتدهور المحيط البيئي، وقد ولَّدت هذه الوضعية ظاهرة خطيرة تجلت بالخصوص في الإقصاء الاجتماعي وتفكك النسيج الحضري والتباين الصارخ بين المدينة والضاحية، بل وداخل المدينة الواحدة والحي الواحد.



انطلاقا من المعطيات السابقة، يتبين لنا أهمية الموضوع حيث أن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحا في تغيير مقاربة الدولة للجماعات المحلية كوحدات ترابية إدارية إلى جماعات اقتصادية تنافسية، تقوم بتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وكأحد الشركاء الرئيسيين للدولة في المبادرات الكبرى وإنعاش الاستثمارات وحل المشاكل الاجتماعية.



غير أنه لتحقيق هذه القفزة النوعية، فمن الضروري تغيير طريقة تسيير الشأن العام المحلي، وذلك بالانتقال من النظرة التسييرية الضيقة إلى المقاربة التدبيرية الحديثة والمتجددة.



وقبل الخوض في ثنايا المقاربة الجديدة للتدبير المحلي، يتعين الوقوف عند جوانبها المفاهيمية. وهكذا عرف التدبير العمومي بأنه "مجموعة من المفاهيم المساعدة على اتخاذ القرار تتكيف في جزء منها مع المجال العمومي، وكذا مناهج للتسيير مستقاة مباشرة من القطاع الخاص (محاسبة تحليلية، رقابة تسيير ...) مع إدماج الأنظمة المعلوماتية" [7]. كما ذهب فريق آخر إلى تعريفه بأنه " المجهود المبذول لتكييف البنيات الإدارية ومناهج عمل الإدارة مع المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي العالمي" [8].



إذن فالتدبير العمومي "يقدم آليات تتكيف والنظرة الواقعية لتصريف الشأن العام، بمناهج مختلفة وملائمة حسب نوعية المهام المنوطة والمشاكل المطروحة، وربط حوار التواصل مع المحيط العام" [9].



وقد حاول أحد الباحثين تفصيل مظاهر التدبير العمومي في المحاور التالية [10]:



·   رصد الأهداف المحددة والعمل على تحقيقها؛

·   الاستعمال المعقلن للموارد المتاحة البشرية والمادية؛

·   التقيد بمضمون الدورة التنظيمية، وتشمل على:



ü      التنظيم؛

ü      التخطيط الاستراتيجي؛

ü      التدبير العلائقي؛

ü      التوجيه والتتبع؛

ü      التقييم والتقويم.



ويتم تجسيد هذه المحاور عبر ثلاثة مستويات أساسية:



- المستوى الإستراتيجي: يتم تحديد السياسات العامة والخيارات الأساسية وبرامج العمل والأولويات والبرامج المستعجلة؛



- مستوى التدبير الإداري: يهدف بالأساس إلى عقلنة استعمال الموارد المالية والبشرية للمسؤوليات والأدوار وتوخي النجاعة والمردودية عند تنفيذ السياسات العمومية [11]؛



- المستوى الإجرائي: ترجمة الأهداف المسطرة والمحددة على أرض الواقع مع التحديد الجيد.



واستنادا إلى هذه المعطيات، فإن التدبير "يهدف إلى تعبئة الطاقات والقدرات والتواصل الداخلي ومسايرة التغيير وعقلنة الوسائل عن طريق تبني تقنية اللجن واختيار البنيات التنظيمية، وتحديد الأدوات الإستراتيجية" [12]. كما يتوخى الفعالية والتنافسية والجودة والمردودية.



وفي هذا الصدد، هناك اعتقاد على أن المبادئ التي يقوم عليه التدبير العمومي ظهرت في القطاع الخاص وبالأخص في المقاولات العمومية [13]. لكن، هناك من يرى على أن التدبير العمومي سابق على التدبير الخاص، بدليل استعمال مفاهيم مستمدة من المجال العسكري، حيث أن جل تقنيات التدبير التي طورت في القرن العشرين استلهمت من الميدان العسكري كمفهوم الإستراتيجية مثلا. في حين، هناك من يرجع مفاهيم القيادة والتنظيم إلى حضارات جد قديمة كالصين واليونان والرومان [14].



وبغض النظر عن هذه التعاريف والجذور التاريخية، وفي خضم التحولات الكبرى التي تشهدها بنيات الدولة وتجدد أدوراها، تعالت الدعوة إلى تطوير النظام اللامركزي الذي يستند على الشرعية الإدارية والعقلانية القانونية، وذلك بتبني منظور جديد ومقاربة مغايرة تجمع بين تعزيز المكتسبات السياسية، وتوخي البعد التدبيري وذلك من خلال ترسيخ مفهوم إدارة القرب، وإعادة اكتساب الثقة في الفعل العمومي من قبل القوى الحية سواء القطاع الخاص أو جمعيات المجتمع المدني، الأمر الذي يدفع إلى إعادة تأسيس قواعد لعبة سياسة تحتم الشفافية والمساءلة والإشراك والإسهام [15].



وإدراكا لهذا، وقصد تأهيل النسيج الحضري والرفع من مستوى الخدمات التي تقدمها الجماعات المحلية وتطوير أساليب عملها لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، ولضمان ربح التنافسية، خاصة في زمن العولمة والانفتاح على الأسواق، جاء الإطار العام المنظم للامركزية الترابية ليأسس ثقافة جديدة تنبني على أسس الحكامة الجيدة ومبادئ التدبير العمومي عبر ترسيخ ديمقراطية القرب وتدعيم مجال المسؤوليات المحلية، وذلك بناء على عدة محددات ثابتة وأخرى مواكبة.



ويأتي الجانب القانوني في مقدمة هذه المحددات، إذ هو العنصر الأول والمؤسس لنوعية الأدوار التي سوف تقوم بها اللامركزية الترابية. وفي هذا الصدد عمل واضعوا قانون الجماعات المحلية خاصة من خلال القوانين الأخيرة على إدخال مجموعة من التدابير التنظيمية والمؤسساتية القائمة على أسس التدبير العمومي حيث تم توسيع وتوضيح اختصاصات المجالس المحلية ورؤسائها، وذلك بالتنصيص على اختصاصات ذاتية وأخرى محولة من الدولة إلى الجماعات وثالثة استشارية. ونفس الشيء يقال عن اختصاصات الرئيس والتي عرفت توسعا من جهة وتقنينا في علاقتها مع السلطة المحلية من جهة أخرى.



ومن بين المقتضيات الأخرى التي عرفتها القوانين الأخيرة المنظمة للجماعات المحلية ما يتعلق بتحسين تسيير المجالس المحلية وأجهزتها المساعدة وتحسين النظام القانوني للمنتخب الجماعي.



كما كانت القوانين الأخيرة أكثر ايجابية عندما جاءت بتصور جديد لتدبير نظام المدينة محاولة بذلك تجنب سلبيات التي اعترت نظام المجموعات الحضرية خاصة المتعلقة بتداخل الاختصاصات والتفاوتات المالية والاقتصادية وتشتت الطاقات والجهود، وذلك بأخذ نظام موحد للمدينة يقوم على   أساس مجلس جماعي ومجالس مقاطعات قصد وضع تصورات شاملة ومتكاملة للتنمية في قالب يغلب عليه التخطيط الاستراتيجي المتعدد السنوات.



إن نجاح التدبير الاقتصادي للجماعات المحلية يمر حتما عبر توفير شروط التدخلات الاقتصادية سواء المباشرة أو في إطار التعاون والشراكة. وهكذا جاء النظام القانوني بجملة من الإجراءات المحفزة، حيث استبدل نظام النقابات بمفهوم أكبر تعبيرا وهو مجموعة الجماعات وكذا تحفيز الجماعات المحلية بجميع أصنافها على التعاون فيما بينها كلما كان هناك عمل مشترك أو تدبير مرفق ذي فائدة مشتركة. كما عمل المشرع على ضبط المقتضيات المنظمة لها كالاتفاق على موضوع المجموعة ومقرها وآجالها وتسميتها وطبيعة ومبلغ المساهمة المالية، وكذا مسطرة الإنسحاب من المجموعة أو حلها.



وفي هذا الصدد، إذا كان التدبير العمومي للأنشطة الاقتصادية المحلية مهم، فإن المقاربة التدبيرية التشاركية تشكل مستقبل عمل الجماعات المحلية. فمظاهر تعقد المدينة المغربية كثيرة ومتنوعة والحاجيات في تزايد مستمر، الأمر الذي يفرض تعبئة الطاقات وجمع الإمكانيات وفق منهجية محكمة ومتكاملة.



وهكذا فقد تعددت أشكال الشراكة وأفرزت نماذج متعددة، من بينها الشراكة بين الجماعات المحلية والإدارات المركزية والمؤسسات العمومية. وقد وجدنا لهذا الإطار   انتشارا مهما سيما في مجال توزيع الماء والكهرباء ومحاربة السكن غير اللائق والمجال الصحي والتعليمي.



كما شكل التعاقد بين الجماعات المحلية والقطاع الخاص أحد الأشكال المتطورة للشراكة، حيث يساهم القطاع الخاص في إنجاز العديد من المشاريع المبرمجة إما بشكل مباشر أو بتعاون مع الجماعات. وهذا الأسلوب لا يشمل المنعشين العقاريين فقط، بل يمتد إلى أكبر من ذلك بالتعاقد مع شركات كبرى للنقل الحضري وتوزيع الماء والكهرباء أو النظافة وذلك في إطار عقود الامتياز أو التدبير المفوض.



وللإشارة، فإن مظاهر التعاون والشراكة لا تشمل فقط الحدود الجغرافية للوطن، بل تمتد حتى خارجه، إذ يمكن للجماعات المحلية المغربية إبرام اتفاقيات التوأمات والتعاون اللامركزي والانخراط في أنشطة المنظمات المهتمة بالشؤون المحلية وكل أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية بعد موافقة سلطة الوصاية.



إذن، فالإطار القانوني جد محفز وجاء أكثر ايجابية من سابقيه. غير أنه يحتاج في تفعيله إلى محددات أخرى وعلى رأسها الوسائل المادية والبشرية.



ومن بين الوسائل المادية التي تؤثر في الحركة الاقتصادية المحلية نجد المالية المحلية، حيث قام المشرع بعدة إصلاحات إذ منح الجماعات المحلية عدة موارد ذات طبيعة جبائية أو غير جبائية كالأملاك. كما سمح لها باللجوء إلى الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي، دون أن ننسى استفادتها من أجزاء من الضرائب الوطنية كالضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات حسب القوانين المعمول بها في هذا الشأن.



إن التحدي الذي تعرفه المالية المحلية مرتبط أساسا بعاملين أساسيين: الأول يخص تدعيم نسبة استقلالية ميزانية الجماعات المحلية عن إمدادات الدولة، والثاني يتعلق بتقليص مصاريف التسيير التي تهيمن على الميزانيات المحلية، والتي لا تترك هامشا كبيرا للاستثمار والتدخل الاقتصادي.



ومن جهة أخرى فحسن تدبير الجماعات المحلية لا يرتبط فقط بالجانب المالي. بل يشكل التحكم في التوسع العمراني لوحداتنا الترابية احد المؤشرات المهمة لإنجاح ذلك التدبير. فعدم ضبط الامتداد الترابي للمدينة قد يخلق أشكالا ومظاهر متعددة، حيث أن جل المدن فاقت بكثير التوقعات المجالية والزمنية التي حددتها وثائق التعمير، مما يشكل حجرة عثرة لتنمية الوحدات الترابية.



وآنطلاقا من هذا، فإن الأمر يتطلب مقاربة جديدة لتوسع مدننا بتبني منظور شمولي تشاركي يتجاوز تدخلات القطاع الواحد والإدارة الواحدة نحو بناء مشروع حضري متكامل الجوانب ومرتبط بالتنمية.



وللوصول إلى هذا الهدف، يجب تأطير الجماعات بمخططات إستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى وديمقراطية. وذلك بالإعداد التشاوري من قبل جميع المتدخلين من جماعات ومؤسسات عمومية وإدارات مركزية ومجتمع مدني وذوي الخبرة والدراية بالموضوع، مع تحديد الوظائف وتقنين العلاقة بين الشركاء المتدخلين في إطار وضع الاختيارات التنموية وتحديد الميادين التي تحظى بالأولوية.



وتجدر الإشارة إلى أن توفر الجماعات المحلية على إطار قانوني يسمح بالتدبير الاقتصادي ووسائل مالية وتقنية تبقى غير كافية في غياب عنصر بشري كفء، يبلور هذه المؤهلات على أرض الواقع ويخرجها إلى حيز الوجود. فمستوى الموارد البشرية يعتبر من بين المؤشرات المعتمدة في تقييم الأمم وقياس رخائها. كما تشكل حجر الزاوية والركن الأساسي للتنمية الشاملة والمستديمة، إذ كثيرة هي الشعوب التي تتوفر على كافة مقومات نجاح الدولة من ثروات طبيعية وموقع جغرافي وإرث تاريخي وحضاري، غير أنها تصنف ضمن الدولة المتخلفة والسبب في ذلك يرجع إلى تخلف مواردها البشرية.



وإدراكا لهذا، وفي إطار الاختصاصات الكبيرة والواسعة الممنوحة للجماعات المحلية، ولضمان النجاح في رفع التحديات التي تتطلبها التنمية، فإن الأمر يبقى رهينا بمستوى المنتخبين المحلين الذين يملكون المبادرة ويحددون السياسة العامة لجماعتهم المحلية ويخططون لبرامجها. لذلك فكلما كان مستوى المنتخب راق كلما كان عطاء الجماعة أكثر مردودية وإنتاجية. وما يساعد على تأهيل المنتخبين هي سياسة التكوين المستمر التي تهتم بعدة وسائل منها عقد دورات تدريبية داخل الوطن أو خارجها وكذا انفتاح الجماعات المحلية على المحيط السوسيوثقافي كإبرام اتفاقيات مع الجماعات المغربية قصد التكوين، زيادة على دور المناظرات الوطنية للجماعات المحلية كملتقى لاستعراض الخبرات وتبادل المعارف والتجارب والرؤى وطرح الإشكاليات التي تعاني منها الإدارة المحلية، ومن ثمة البحث عن الحلول ووضع استراتيجيات وخطط العمل الممكنة.



ولا يقتصر الإهتمام التي توليه الدولة للعنصر البشري المحلي على الهيئات المنتخبة فقط، بل يمتد الأمر إلى الموظفين الجماعيين الذين يسهرون على تنفيذ قرارات المجالس التداولية للجماعات المحلية. وفي هذا الصدد، قامت هذه الجماعات بمجهودات كبيرة في توظيف الأطر الإدارية والتقنية العليا والمتوسطة. كما عملت الوزارة الوصية على إحداث عدة مؤسسات متخصصة في مجال التكوين وكذا عقد ندوات تأطيرية على المستوى الجهوي شملت على سبيل المثال مواضيع الحالة المدنية والشرطة الإدارية وتدبير الميزانية وإعداد وتدبير مشاريع التنمية.



غير أنه إلى جانب المحددات القانونية والبشرية والمادية، فإن التدبير الاقتصادي المحلي يحتاج إلى مقومات نوعية جديدة ترسخ الحكامة الجيدة. ويمكن الإشارة على وجه الخصوص إلى الشفافية والتواصل والإدارة الالكترونية وتبسيط المساطير الإدارية.



كما تشكل الدعامات ذات الطبيعة الرقابية من بين الإجراءات المهمة التي تساعد في تحقيق تدبير اقتصادي محلي فعال حيث تسمح بتتبع وتقييم العمل المحلي من حيث معرفة مظاهر القوة والضعف التي تمكن من تحديد مستوى أداء الجماعات المحلية وكيفية التعاطي مع الرهانات المطروحة. ومن بين تلك الدعامات يمكن الإشارة إلى مراقبة التسيير والتدقيق الداخلي. فهذه الآليات الأخيرة وإن ظهرت في البداية في القطاع الخاص، إلا أن إدخالها ضمن المنظومة العامة للإدارة الترابية سوف تمكن من تحديث الإدارة المحلية وجعلها أكثر احترافية في خلق الثروة وتنشيط الحياة الاقتصادية والتأثير في القرارات الكبرى للدولة.



وتبدو من خلال ملامسة أهمية الموضوع، الملامح الأولى لعناصر الإشكالية المراد تحليلها عبر مراحل هذا البحث، على اعتبار أن الجماعات المحلية تشكل مستوى مهما لحل مشاكل التنمية. وعليه يمكن طرح الإشكاليات التالية: كيف يمكن تحقيق تدبير اقتصادي فاعل وفعال؟ وهل الإرادة السياسية والجوانب القانونية كافية أم أن الأمر يحتاج إلى وسائل مادية وبشرية متطورة؟ وهل الآليات المرتبطة بالتدبير العمومي المحلي بإمكانها حل إشكالية التنمية والتدخل الاقتصادي أم أن تعقدات مظاهر التسيير الجماعات وتزايد حاجيات السكان تدفع إلى التفكير في آليات أخرى كالشراكات المختلفة سواء مع الإدارات العمومية أو القطاع الخاص والمجتمع المدني؟ وإلى أي حد استطاعت النجاح في ذلك؟ وما هي آفاق تأهيل الجماعات المحلية لربح الرهانات المطروحة عليها؟ وما مدى استعدادها للدخول في عالم العولمة وانفتاح الأسواق؟



وللإجابة على الإشكالية الرئيسية والإشكاليات الفرعية والمتسمة بتشعب محاورها نظرا لتنوع حقول المعرفة التي تشكل منطلقاتها، وجب الإستعانة ببعض مناهج البحث التي من شأنها الإسهام في تحديد الإشكالية والإحاطة بمختلف جوانب الموضوع.



ولهذه الغاية فقد سعينا إلى توظيف المنهج التاريخي الذي ميز تطور الشأن العام المحلي في ارتباطه بتسيير السلطات العمومية سواء بالدول الأجنبية أو داخل المغرب وذلك إيمانا منا أن دراسة ادوار الجماعات المحلية ومهامها المستقبلية لا يجب أن تغيب امتدادها التاريخي للارتباط الوطيد القائم بين الماضي والحاضر.



كما عمدنا إلى الاستعانة بالمنهج الوصفي التحليلي الذي يعتمد على المقاربة النصية لمختلف المقتضيات القانونية ذات الصلة بالموضوع سواء بشكل مباشر كالنصوص المنظمة للجماعات المحلية أو بشكل غير مباشر كالقوانين المؤطرة للمالية المحلية والموارد البشرية والمحاسبة والأملاك، لكن مع دراسة الأسباب والدوافع ومختلف العوامل المؤطرة في فعل الجماعات المحلية.



ولمعرفة مستوى تطور جماعاتنا المحلية وأدائها وحصيلتها وبحث سبل دعمها، ارتأينا توظيف المنهج المقارن الذي يسمح بإلقاء النظر على بعض الدول الناجحة في إقامة لامركزية ترابية حقيقية وبالتالي الاستفادة من تجاربها والانجازات المحققة وخطط عملها، وقد ركزنا بهذا الخصوص على النموذج الفرنسي نظرا للتشابه نوعا ما مع نظيره المغربي دون أن ننسى في بعض الأحيان الإشارة إلى بعض التجارب الأخرى من قبل التجربة الألمانية أو الإسبانية.



وبالنظر إلى المزايا التي يقدمها المنهج التحليلي والمنهج الإحصائي في إعطاء نظرة واضحة على كل قطاع وعن الوسائل والآليات ومختلف الجوانب المرتبطة بعمل الجماعات المحلية، فقد عمدنا إلى الاستعانة بأرقام وإحصائيات جد حديثة وذلك لتمكين القارئ من التعرف على المستوى التي وصلت إليه الجماعات المحلية وكذا توجهاتها المستقبلية، مع الإشارة إلى أننا قمنا بدراسة حالات ميدانية سواء في إطار التدبير العمومي المحلي أو التدبير التشاركي، وذلك بالإطلاع على مختلف الاتفاقيات الموقعة بين الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وكذا بين الجماعات المحلية والقطاع الخاص في إطار عقود بناء أشغال معينة أو في إطار التدبير المفوض.



إن معالجة إشكالية التدبير الاقتصادي العمومي المحلي دفعنا إلى اعتماد خطة البحث تراعي الجوانب المتداخلة للموضوع.



وعليه فقد خصصنا القسم الأول لمعالجة الجماعات المحلية كإطار عام للتدبير الاقتصادي المحلي وذلك من خلال التطرق إلى مختلف الجوانب السياسية والقانونية المتحكمة في تطور أدائها وتوسعها وذلك في ارتباطها بمختلف المحددات المتحكمة فيها سواء الوطنية - بتبني مقاربة تكرس دور الجماعات المحلية في العمل التنموي - أو من خلال التحولات التي يشهدها العالم من الناحية الاقتصادية بسيادة العولمة وانفتاح الأسواق أو بانتشار حقوق الإنسان والديمقراطية.



ولقد انعكست هذه التداخلات على وظيفة الجماعات المحلية، بانتقالها من تدبير عمومي كلاسيكي إلى تدبير أكثر حداثة مرتبط أساسا بالفكر التشاركي والتعاوني.



وسيشكل التطرق إلى وسائل الجماعات المحلية وكذا وظيفتها الاقتصادية ومختلف المحددات التي تتحكم فيها محور القسم الثاني، من خلال التعرف على الوسائل المادية والمتجلية أساسا في المالية المحلية والتخطيط المحلي ومدى مساهمة الجماعات المحلية في ميدان التعمير وإعداد التراب الوطني. لكن دون أن ننسى دور الموارد البشرية ركيزة التدبير الاقتصادي المحلي في ضمان نجاح الجماعات في العمل التنموي.



كما أنه باستعراضنا لأهم الإكراهات والصعوبات التي تواجه عمل وحداتنا الترابية نكون قد قطعنا خطوة مهمة لمعرفة الاختلالات، ومن ثمة البحث عن الحلول والمقترحات مستعينين في ذلك بمختلف التقنيات التي يقدمها مجال التدبير وبالتالي تأهيل الجماعات المحلية لتصبح بالفعل قاطرة للتنمية.







--------------------------------------------------------------------------------



[1] - Huron (D) et Spindler (J): « Le Management public local », L.G.D.J , 1998, p. 2.



[2] - Sedjari (A): « Avant propos de l’ouvrage Etat-Nation et prospective des territoires », éditions L’Harmattan -Gret, 1996, p.1. 



[3] - أحمد بوعشيق: "المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة"، الطبعة الثامنة، 2004، ص 123 وبعدها.



[4] - منشورات وزارة الداخلية على هامش ملتقى الجماعات المحلية 2006، محور التوسع العمراني للمدن، أكادير 12-13 دجنبر 2006، ص 3.



[5] - ملتقى الجماعات المحلية، مرجع سابق ص 7.



[6] - نفس المرجع، ، ص 7.



[7] - Nioche (J.P) : « Science administrative, Management public et analyse des politiques publiques », RFAP, n° 24, 1982, p.635.



[8] - Jean –Marie (D) : « Le Management public », RFAP, N°24, 1982, p.631.



[9] - Mannuel (S.V), et Eric (V.P) : « le Management public » Que sais- je ? n° 2724, 1993,         pp. 5.6.



[10] - Jean Marie (D) : « Le Management public », RFAP, n° 24, 1982, p.631.



[11] - Bruno (C) et Christophe (R) : op.cit, p.31. 



[12] - Alician (S) et Francher (D) : « Guide du management dans le service public », éditions d’organisation, Paris, 1998, p. 17.



[13] - Chevalier (j) et Loschak (D) : « Rationalité juridique et rationalité managériale dans l’administration Françaises », RFAP, op.cit, p. 631.



[14] -Yves Emery : « Origine, Spécificités, et évolution du management », in « Le management territorial, pour une prise en compte des territoires dans la nouvelle gestion publique », Romandes, 1996, pp.92-93.



Right direction

قانون

ضيف الموقع

الموقع سيشكل البوابة الرئيسية للتواصل مع الأستاذ الدكتور عبدالله حارسي، إنتاجاته الغزيرة في المجال القانوني والإداري، مجموع مقالاته السابقة، كتبه بالعربية والفرنسية، محاضراته، ندواته، البرامج التلفزيةواللقاءات الصحفية التي حضرها، ترقبونا في القريب العاجل بحول الله.

Read More

الجماعات المحلية و تسيير الشأن العام بالمغرب التدبير المنتدب و الامتياز نموذجا

لقد زاد الطين بلة بفعل أن التجارب الجمعية بالمغرب راكمت على امتداد سنوات عدة مشاكل على صعيد التسيير الجماعي و تدبير المرفق العمومية التابعة للجماعات إلى أن وصلت إلى الباب المسدود، و كان لزوما من أجل الخروج من هذه الوضعية المحرجة اللجوء إلى السماح بتفويت بعض تلك المرافق العمومية للخواص أملا في تجاوز الوضعية التي لم يعد يطيقها المواطن.

و تكرس هذا التوجه بعد اعتماد الدولة لسياسة اقتصادية ترتكز على استراتيجية جديدة أسماها البعض بدولة الحد الأدنى، أي أن الدولة و معها الجماعات المحلية ستتخلى على جملة من القطاعات لفائدة القطاع الخاص، باعتبار أن الجماعات فشلت فشلا دريعا في تدبير المرافق العمومية بشكل مرضي و فعال يلبي حاجيات المواطنين و يجيب على انتظارا تهم، على الأقل في حدها الأدنى المقبول. إلا أن البعض يرى إذا كانت الجماعات المحلية ستتخلى على تدبير المرفق العمومي و تحتفظ بالمهام الإدارية، و هي مهام بسيطة لا تتطلب مؤهلات عالية، فلا داعي لإجراء انتخابات أصلا. لأن تأهيل الجماعات المحلية يقتضي الاحتفاظ بالمرافق العمومية و أدارتها بعقلانية خدمة للصالح العام. لكن هيهات هيهات، فإننا وصلنا بالمغرب إلى مرحلة العجز الاقتصادي السافر للجماعات المحلية، و لذلك دفعت وزارة الاقتصاد و المالية هذه الجماعات المفلسة اقتصاديا – في عمومها- إلى تفويت عدد من المرافق العمومية لفائدة القطاع الخاص. لكن إذا كان لا بأس من تفويت بعض القطاعات كمحطات الوقوف مثلا للخواص، فان هناك بعض القطاعات الحيوية، كقطاع الماء و الكهرباء – نظرا لمعيار التكلفة الاجتماعية و حيويته القصوى بالنسبة للمواطن- كان الأولى الاحتفاظ به، خصوصا و أن الهيئات المالية الدولية تلزم المغرب، و منذ مدة، بإعادة النظر في قانون الأسعار و تحريرها و البرلمان المغربي صادق على قانون تحريرها و ذلك دون ايلاء أي اعتبار و أي أهمية للرواتب و الأجور، و هذا اعتبره البعض من باب الضحك على الذقون في إطار التغني بدولة الحق و القانون و الديموقراطية. و هذا من شأنه أن يترتب عنه عواقب اجتماعية وخيمة على أوسع فئات الشعب، و هذا أمر يبدو أنه لا يهم الحكومة و لا البرلمان، لأنه لو كان الأمر كذلك لتم التفكير فيه دفعة واحدة اعتبارا لكون أغلب الأجور و الرواتب بالغرب لا تكفي حتى للضروريات فكيف قبول المزيد من إثقالها أكثر بتحمل زيادات إضافية في أسعار خدمات عمومية حيوية بعد خوصصتها (خصخصتها).

و هنا لابد من طرح سؤال بالغ الأهمية و هو هل المغرب وصل إلى درجة النمو الاقتصادي المطلوب حتى يطبق حرية الأسعار، أم أن ما يوحي به صندوق النقد الدولي و البنك الدولي،  يعتبر بمثابة أوامر لامناص من الخضوع إليها و تطبيقها على الفور و بدون تعليق؟

بالرجوع إلى تجارب الدول الأخرى نلاحظ أن بعض الدول الأوروبية و منها فرنسا و اسبانيا بدأ ينمو فيها حاليا اتجاه جديد يسير نحو التراجع عن هذه الامتيازات نظرا لما أحدثته من هيمنة شركات القطاع الخاص على جملة من الخدمات المقدمة للمواطنين. ففي فرنسا قامت الحكومة الاشتراكية بتفويت مجموعة من القطاعات لشركات فرنسية و عرفت هذه التجربة بإشكال التمويل الخارجي للبنيات التحتية كالماء و الكهرباء و الصيانة و جمع النفايات. و بعد مرور عشر سنوات تبين أن هذه الشركات حققت أرباحا باهضة فقررت الدولة الفرنسية التراجع عن تلك التفويتات لأنها وصلت اي درجة مرضية من النمو الاقتصادي.
و بالنسبة للمغرب، فان مداخيل الجماعات المحلية لا تكفي لإيجاد و إحداث بنيات تحتية مناسبة و كافية تستجيب للمتطلبات. خصوصا و أن تلك الجماعات لا تحقق إلا 48 في المائة من الاستقلال المالي. و في هذا الصدد يبرز تساؤل كبير عريض : هل يمكن إنجاز بنيات تحتية في غياب استقلال مالي و في ظل غياب موارد مالية قارة؟

و يبدو أنه لهذا السبب أضحت أغلب الجماعات المحلية المغربية مضطرة اضطرارا إلى منح امتيازات لفائدة شركات أجنبية، و بذلك ستكون قد اختارت التمويل الخارجي للبنيات التحتية، و اعتبارا لطبيعة و درجة النمو الاقتصادي بالمغرب و لانتشار الفقر بالمجتمع فستكون لهذه التفويتات انعكاسات سلبية على المواطن المغربي.

و هكذا تبدو الصورة أكثر وضوحا و انفضاحا، إذ أن الجماعات المحلية بالمغرب قد عجزت عجزا فظيعا في تحقيق جملة من مهامها الاقتصادية و الاجتماعية، و آثرت العدول عن التدخل في المجال الاقتصادي و الاجتماعي باللجوء إلى منح امتيازات لجهات خارجية لتدبير هذا المجال. لكن إذا تم سحب هذه المهام فماذا إذن سيبقى للجماعات المحلية، فهل ستقتصر فقط على الاضطلاع بمهام إدارية و هي مهام بسيطة يمكن أن تضطلع بها السلطات العمومية دون حاجة لمستشارين جماعيين؟

يظهر أن الجماعات المحلية المغربية فضلت سلوك طريق التفويت ومنح الامتيازات لإيجاد مداخيل قارة تستعملها لإنجاز مشاريع اقتصادية، لاسيما و أن هناك اختصاصات فوتتها الدولة للجماعات في مجال التعليم و الصحة و غيرها. لكن كيف يمكن تحقيق التوازن بين هذه التفويتات من الدولة لفائدة الجماعات و تحقيق الأهداف المنتظرة في ظل غياب استقلال مالي؟ هذا هو السؤال.

فعلا إن الجماعات المحلية ستحصل على موارد مالية قارة بعد منح امتيازات لفائدة شركات القطاع الخاص (وطني أو أجنبي)، إلا أن الرأي السائد هو أن هذا الإجراء من شأنه ضرب عرض الحائط الجانب الاجتماعي، و هو القطاع الذي ظل مغبونا منذ أن حصل المغرب على استقلاله.

و من جانب آخر يرى البعض أن تلك التفويتات و منح الامتيازات لفائدة شركات القطاع الخاص مازال يكتنفه الكثير من الغموض، لاسيما فيما يخص النهج المتبع في إنجازها. و يكفي الوقوف على ما يحدث بالدار البيضاء للاقتراب من الصورة الحقيقية. لقد طلب من مجلس المدينة القيام بالتصويت على بيع ممتلكات جماعية إلى الوكالة المستقلة للنقل الحضري دون تحديد مساحات تلك الأملاك و قيمتها، كما أنه طلب كذلك من هذا المجلس التصويت دون تقديم أي بيانات أو ضمانات حول جودة الخدمة و التكلفة مراعاة لمصلحة المواطن، لاسيما و أن قطاع النقل الحضري بمدينة الدار البيضاء أضحى يرهق الساكنة و يمثل مشكلا من المشاكل العويصة التي قد تنذر بما لا يحمد عقباه. و ما هذا إلا مثال ليس إلا.......

Read More

مالية الجماعات المحلية في خدمة التنمية المحلية المستدامة والمتجانسة

رضا برايم ـ تعززت مالية الجماعات المحلية، باعتبارها وحدات للقرب خلال السنوات الاخيرة بفضل الدينامية المسجلة سواء من خلال مداخيل الجبايات الرئيسية المخصصة لها أو من خلال حصة من الضريبة على القيمة المضافة، وهو ما يقوي هوامش تدخلاتها للإسهام في الجهود المبذولة من أجل تحقيق تنمية محلية مستدامة ومتجانسة.

وإجمالا، فإن الوضعية المالية للجماعات المحلية تبدو في أفضل أحوالها، كما تعكس ذلك معطيات وإحصاءات صندوق تجهيز الجماعات المحلية والخزينة العامة للمملكة على حد سواء.

وحسب هذا الصندوق الذي يعد الشريك التقني والمالي الرئيسي للجماعات المحلية، فقد بلغت مداخيل هذه الجماعات الخاصة بالتسيير سنة2008 حوالي20 مليار درهم, مسجلة ارتفاعا بنسبة 10 في المائة مقارنة مع سنة2007 أي بمعدل إنجاز فاق مائة في المائة من توقعات الميزانية.

ومن جهتها، ارتفعت نفقات التسيير إلى حوالي 13 مليار درهم، مما مكن من توفير حساب جاري تجاوز سبعة ملايير درهم، بإمكانه تغطية كافة نفقات التجهيز.

أما في ما يتعلق بثاني مورد من شق التجهيز، فقد جاء بشكل طفيف وراء الحصة الخاصة بالاستثمار ( الضريبة على القيمة المضافة) حيث بلغ الحجم الاجمالي لمداخيل الاقتراض ملياري درهم، أي ما يعادل الحجم السنوي الأكثر ارتفاعا منذ إطلاق أول تنظيم جماعي سنة 1960 .

وبخصوص الاستثمارات، فقد استثمرت الجماعات المحلية وتجمعاتها سنة 2008 حوالي 8 ملايير درهم 24 في المائة منها في إطار المساهمة في البرامج الوطنية الخاصة بتعميم التزود بالكهربة والماء الشروب والطرق بالعالم القروي، وذلك حسب إحصائيات الخزينة العامة للمملكة.

وبلغت نفقات الاستثمار، التي نفذ43 في المائة من التوقعات الخاصة بها بما في ذلك القروض المؤجلة، بالنسبة للجماعات الحضرية إلى 33 ر3 مليار درهم، وبالنسبة للجماعات القروية (83 ر1 مليار درهم) والعمالات والأقاليم (7 ر1 مليار درهم) والجهات (06 ر1 مليار درهم).

وتركز الجماعات المحلية جهودها الاستثمارية بالأساس على مشاريع البنيات التحتية في عدد من المجالات كالماء والتطهير والطرق، فضلا عن الجانب الاجتماعي.

كما أن هذه الجماعات تضطلع بدور محوي في إعداد وتمويل المشاريع المدرجة ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حيث تصل نسبة مساهمة هذه الجماعات برسم الفترة 2006 -2010 ما مجموعه 20 في المائة من الغلاف المالي المخصص لهذه المبادرة، التي تولي اهتماما خاصا لمشاريع القرب (10 ملايير درهم).



2008  سنة الإصلاحات

لقد شهد الشأن المحلي خلال سنة 2008 مجموعة من الإصلاحات الرامية إلى التأكيد مجددا على الدور المحوري للجماعات في ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.

ويتعلق الأمر بالميثاق الجماعي الجديد، والمرسوم الجديد للتقسيم الإداري، ومدونة الانتخابات الجديدة، ودخول القانون رقم 06 -47 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية وتجمعاتها حيز التنطبيق.

وقد أجمع المنتخبون المحليون على أنه من شأن هذا القانون أن يشكل متنفسا هاما سيمكن الجماعات المحلية من تحسين مردودية الجبايات والضرائب المحلية وتعزيز مواردها الخاصة والتوفر بالتالي على إمكانيات تمويل هامة وعصرنة طرق التدبير المالي والتخفيف من وصاية الإدارة المركزية.

كما يتوخى هذا الإصلاح تبسيط قواعد اوضع لوعاء الضريبي ومساطر وقواعد التحصيل وعددالضرائب والرسوم وكذا التنسيق بين الضرائب المحلية والوطنية من خلال حذف عدد من الرسوم التي تشكل ازدواجا ضريبيا مع جبايات الدولة.

وتعد التغييرات التي جاء بها الاصلاح الضريبي والذي يهم ضرائب ورسوم الجماعات المحلية والضرائب التي تشرف عليها الادارة العامة للضرائب لفائدة الجماعات تغييرات متعددة تتعلق بحذف بعض الرسوم ذات المردودية الضعيفة أو التي تشكل ازدواجا ضريبيا مع جبايات الدولة وكذا دمج بعض الرسوم التي تمس نفس الوعاء.



ضرورة اعتماد حكامة جيدة

تفرض هذه الاصلاحات التي توخت تعزيز القدرات المالية للجماعات المحلية، سواء الحضرية أو القروية، على هذه الجماعات أن تضطلع بدورها كاملا فيإنجاز المهام المتعددة التي تدخل في نطاق اختصاصتها, ولاسيما الاقتصادية والاجتماعية منها إلا أنه يتعين اعتماد التعديلات الضرورية والأجوبة الواضحة والمناسبة للإشكاليات التي مازالت تطبع تدبير الشأن المحلي بالمغرب بما في ذلك تلك المتعلقة بالكفاءات البشرية والحكامة الجيدة.

وفي هذا السياق فقد تم التأكيد في أحد لقاءات «خميس الحكامة» الذي خصص لمناقشة إشكالية تمويل الجماعة المحلية والذي أداره الوالي المدير العام للجماعات المحلية بوزارة الداخلية نور الدين بوطيب أنه ليست هناك مشاكل تربتط بتمويل المدن بل على العكس من ذلك فإن توقف تنفيذ المشاريع يتعلق باختلالات في الحكامة وبشفافية محاسباتية وبمهنية المتدخلين وبغياب نظام فعال للتحسيس والتوعية.

وحسب بعض المعطيات التي تم الكشف عنها خلال هذا اللقاء فإن 30 في المائة فقط من الاعتمادات المتوفرة تم استغلالها من ما مجموعه 22 مليار درهم المخصصة للتنمية الحضرية والتنمية السوسيو-اقتصادية للقرب لفائدة43 مدينة و21 مركزا جهويا للاستثمار.

وانطلاقا من هذه المعطيات فإن الانتخابات الجماعية ل12 يونيو المقبل ستشكل فرصة سانحة للمغاربة للمساهمة بشكل فعال في تجاوز هذه الاختلالات وذلك من خلال التوجه بكثافة لصناديق الاقتراع لانتخاب الكفاءات القادرة على تدبير شؤونهم المحلية بشكل أفضل والمساهمة في بلورة رؤية استراتيجية للفترة 2009 -2015 .

Read More

التدبير الاقتصادي للجماعات المحلية بالمغرب

مقدمة : أضحت الجماعات المحلية المغربية في الآونة الأخيرة إحدى المحددات الرئيسية للتدخلات العمومية في مختلف مظاهر الحياة العامة للدولة.
ولم تأت هذه الأهمية بمحض الصدفة ولا من فراغ، بل كانت نتيجة طبيع ي ة لتطورات وطنية ودولية أملتها ظروف ومعطيات معينة أفرزت لنا وحدات ترابية مبادرة، نشيطة، فعالة وساهرة على تدبير الشأن العام المحلي ومساهمة في القضايا الكبرى للبلاد.
ومن جملة تلك الظروف المتحكمة في تنامي دور الجماعات المحلية، ما يتعلق بالعوامل الدولية والمتجلية أساسا في انتشار الفكر الديمقراطي والمشاركة السياسية ودعائم دولة الحق والقانون [1] التي تدعو إلى إشراك الساكنة المحلية في جميع المبادرات التي تهم الشأن العام المحلي حتى تكون أكثر إسهاما في التعاطي مع الرهانات المطروحة عليها.



وإلى جانب ذلك، ساهمت العولمة بكل تجلياتها في تجاوز المفهوم التقليدي للحدود المتعارف عليها إلى مفهوم أكثر امتدادا وشمولا للمعرفة والاقتصاد والسوق بحيث لا تعترف بالجهود الانفرادية للدولة المركزية، بل تضع من الفكر التشاركي إحدى المبادئ الأساسية للتنمية المستديمة.



كما جاءت التوصيات الصادرة عن الهي آ ت المالية الدولية كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي لتحث الدولة على إشراك فاعلين اقتصاديين آخرين لحل إشكالية التنمية والنمو [2]، وفي هذا الصدد يمكن التذكير مثلا بالتقرير الشهير للبنك الدولي سنة 1995 بخصوص وضعية الإدارة المغربية، والذي من جملة ما دعا إليه هو البحث عن أدوار جديدة للجماعات المحلية وتقوية مساهمتها في تدبير الشأن العام المحلي والوطني.



وإذا كانت العوامل الدولية قد ساهمت بشكل كبير في تنامي الجماعات المحلية للعب دور أكثر ديناميكية، فإن المعطيات الداخلية كرست أيضا هذه الطفرة نتيجة عدة أسباب من بينها تراجع دور الدولة بسبب أزمة القطاع العام وتزايد النفقات العمومية وسوء التسيير [3]، زيادة على مشكل المديونية وضعف مؤشرات الاقتصاد وانتشار الفقر والأمية والإقصاء الاجتماعي.



كما أن القطاع الخاص اتسم ولفترات طويلة بالهشاشة وضعف ومحدودية تدخلاته، علما أن المشاريع التي تبرمجها الدولة تحتاج إلى تكلفة كبيرة وإمكانيات جد هامة عادة ما تتجاوز إمكانيات القطاع الخاص.



وإلى جانب هذا، منحت القوانين المؤطرة للجماعات المحلية ولا سيما الأخيرة منها عدة إمكانيات للتدخل الاقتصادي إما بشكل مباشر أو بالدخول في شراكة مع فرقاء وفعاليات أخرى أو الإنفتاح كليا على القطاع الخاص.



إلا أنه، وبالرغم من هاته العوامل المساعدة والمحفزة لدور الجماعات المحلية في تنشيط الحياة الاقتصادية المحلية ودخول مجال التنافسية والاستثمار والانفتاح على المبادرات الخارجية، فلازالت هناك عدة رهانات جد مهمة تتطلب التعبئة والتخطيط. فالنمو السكاني بالمغرب انتقل من 15.379.254 نسمة سنة 1971 إلى 29.892.000 نسمة سنة 2004 . كما أن معدل التحضر ارتفع في نفس الفترة من %35 إلى %55,1 ، ويتوقع أن تبلغ ساكنة المغرب في سنة 2014 رقم 35 مليون نسمة بمعدل للتحضر يصل إلى [4] %65 .



وبالنظر إلى حجم هذا النمو، فإن الأمر يتطلب تجهيز حوالي 3000 هكتار سنويا قصد الاستجابة لحاجيات الأسر بإقامة مساكن وتجهيزات ومناطق للأنشطة الاقتصادية التي تحتم سنويا تعبئة 1,8 مليار درهم [5].



وإذا أخذنا كذلك على سبيل المثال حاجيات الساكنة من التطهير السائل وتصفية المياه العادمة، فإنه يجب تعبئة أكثر من 20,7 مليار درهم، أي ما يعادل ملياري درهم سنويا إلى غاية 2015 [6].



إن اعتبار الجماعات المحلية كشريك للدولة إلى جانب المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، يحتم ولاشك أن تقوم هذه الجماعات بأدوار كبيرة ومتنوعة على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.



غير أنه بالرجوع إلى تجربة الجماعات المحلية طيلة الأربع عقود التي خلت، نجد أنها مازالت تعاني من إكراهات كثيرة وصعوبات عميقة نتيجة عوامل متداخلة ومعقدة. فالإطار المؤسساتي غلب عليه التسيير التقليدي نتيجة سوء التنظيم وتبذير الإمكانيات وطاقات الجماعة عوض استثمارها في مجالات وقطاعات منتجة تعود بالنفع على الساكنة. كما أن النصوص القانونية المحلية عانت بدورها من العمومية والمصطلحات الفضفاضة وتداخل في الاختصاص والمسؤوليات. وقد زاد من ضعف مردودية الوحدات اللامركزية محدودية كفاءة الموارد البشرية، سواء تعلق الأمر بالمنتخبين أو الموظفين المحليين اللذين بقوا قيد الإطار الكلاسيكي لتسيير الجماعات والمحددة أساسا في تقديم الشواهد الإدارية والأعمال اليومية الروتينية.



وإلى جانب هاته الإكراهات، فقد شهدت الجماعات المحلية امتدادا مجاليا واسعا، لكن بتوزيع مختل وغير منظم بسبب النقص في البنيات التحتية والتجهيزات، وتدهور المرافق العمومية، خاصة في مجال إيصال الماء والكهرباء والتطهير، وكذا مشاكل على صعيد قطاع النقل وضعف وسائل النقل العمومي.



ولم يخرج المجال العمراني عن هذه الاختلالات، إذ شهدت بعض المدن توسعا مضطردا في البناء العشوائي وانتشار مدن الصفيح والسكن غير اللائق وغياب الجمالية المعمارية المحلية والمتوازنة وتدهور المحيط البيئي، وقد ولَّدت هذه الوضعية ظاهرة خطيرة تجلت بالخصوص في الإقصاء الاجتماعي وتفكك النسيج الحضري والتباين الصارخ بين المدينة والضاحية، بل وداخل المدينة الواحدة والحي الواحد.



انطلاقا من المعطيات السابقة، يتبين لنا أهمية الموضوع حيث أن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحا في تغيير مقاربة الدولة للجماعات المحلية كوحدات ترابية إدارية إلى جماعات اقتصادية تنافسية، تقوم بتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، وكأحد الشركاء الرئيسيين للدولة في المبادرات الكبرى وإنعاش الاستثمارات وحل المشاكل الاجتماعية.



غير أنه لتحقيق هذه القفزة النوعية، فمن الضروري تغيير طريقة تسيير الشأن العام المحلي، وذلك بالانتقال من النظرة التسييرية الضيقة إلى المقاربة التدبيرية الحديثة والمتجددة.



وقبل الخوض في ثنايا المقاربة الجديدة للتدبير المحلي، يتعين الوقوف عند جوانبها المفاهيمية. وهكذا عرف التدبير العمومي بأنه "مجموعة من المفاهيم المساعدة على اتخاذ القرار تتكيف في جزء منها مع المجال العمومي، وكذا مناهج للتسيير مستقاة مباشرة من القطاع الخاص (محاسبة تحليلية، رقابة تسيير ...) مع إدماج الأنظمة المعلوماتية" [7]. كما ذهب فريق آخر إلى تعريفه بأنه " المجهود المبذول لتكييف البنيات الإدارية ومناهج عمل الإدارة مع المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي العالمي" [8].



إذن فالتدبير العمومي "يقدم آليات تتكيف والنظرة الواقعية لتصريف الشأن العام، بمناهج مختلفة وملائمة حسب نوعية المهام المنوطة والمشاكل المطروحة، وربط حوار التواصل مع المحيط العام" [9].



وقد حاول أحد الباحثين تفصيل مظاهر التدبير العمومي في المحاور التالية [10]:



·   رصد الأهداف المحددة والعمل على تحقيقها؛

·   الاستعمال المعقلن للموارد المتاحة البشرية والمادية؛

·   التقيد بمضمون الدورة التنظيمية، وتشمل على:



ü      التنظيم؛

ü      التخطيط الاستراتيجي؛

ü      التدبير العلائقي؛

ü      التوجيه والتتبع؛

ü      التقييم والتقويم.



ويتم تجسيد هذه المحاور عبر ثلاثة مستويات أساسية:



- المستوى الإستراتيجي: يتم تحديد السياسات العامة والخيارات الأساسية وبرامج العمل والأولويات والبرامج المستعجلة؛



- مستوى التدبير الإداري: يهدف بالأساس إلى عقلنة استعمال الموارد المالية والبشرية للمسؤوليات والأدوار وتوخي النجاعة والمردودية عند تنفيذ السياسات العمومية [11]؛



- المستوى الإجرائي: ترجمة الأهداف المسطرة والمحددة على أرض الواقع مع التحديد الجيد.



واستنادا إلى هذه المعطيات، فإن التدبير "يهدف إلى تعبئة الطاقات والقدرات والتواصل الداخلي ومسايرة التغيير وعقلنة الوسائل عن طريق تبني تقنية اللجن واختيار البنيات التنظيمية، وتحديد الأدوات الإستراتيجية" [12]. كما يتوخى الفعالية والتنافسية والجودة والمردودية.



وفي هذا الصدد، هناك اعتقاد على أن المبادئ التي يقوم عليه التدبير العمومي ظهرت في القطاع الخاص وبالأخص في المقاولات العمومية [13]. لكن، هناك من يرى على أن التدبير العمومي سابق على التدبير الخاص، بدليل استعمال مفاهيم مستمدة من المجال العسكري، حيث أن جل تقنيات التدبير التي طورت في القرن العشرين استلهمت من الميدان العسكري كمفهوم الإستراتيجية مثلا. في حين، هناك من يرجع مفاهيم القيادة والتنظيم إلى حضارات جد قديمة كالصين واليونان والرومان [14].



وبغض النظر عن هذه التعاريف والجذور التاريخية، وفي خضم التحولات الكبرى التي تشهدها بنيات الدولة وتجدد أدوراها، تعالت الدعوة إلى تطوير النظام اللامركزي الذي يستند على الشرعية الإدارية والعقلانية القانونية، وذلك بتبني منظور جديد ومقاربة مغايرة تجمع بين تعزيز المكتسبات السياسية، وتوخي البعد التدبيري وذلك من خلال ترسيخ مفهوم إدارة القرب، وإعادة اكتساب الثقة في الفعل العمومي من قبل القوى الحية سواء القطاع الخاص أو جمعيات المجتمع المدني، الأمر الذي يدفع إلى إعادة تأسيس قواعد لعبة سياسة تحتم الشفافية والمساءلة والإشراك والإسهام [15].



وإدراكا لهذا، وقصد تأهيل النسيج الحضري والرفع من مستوى الخدمات التي تقدمها الجماعات المحلية وتطوير أساليب عملها لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة، ولضمان ربح التنافسية، خاصة في زمن العولمة والانفتاح على الأسواق، جاء الإطار العام المنظم للامركزية الترابية ليأسس ثقافة جديدة تنبني على أسس الحكامة الجيدة ومبادئ التدبير العمومي عبر ترسيخ ديمقراطية القرب وتدعيم مجال المسؤوليات المحلية، وذلك بناء على عدة محددات ثابتة وأخرى مواكبة.



ويأتي الجانب القانوني في مقدمة هذه المحددات، إذ هو العنصر الأول والمؤسس لنوعية الأدوار التي سوف تقوم بها اللامركزية الترابية. وفي هذا الصدد عمل واضعوا قانون الجماعات المحلية خاصة من خلال القوانين الأخيرة على إدخال مجموعة من التدابير التنظيمية والمؤسساتية القائمة على أسس التدبير العمومي حيث تم توسيع وتوضيح اختصاصات المجالس المحلية ورؤسائها، وذلك بالتنصيص على اختصاصات ذاتية وأخرى محولة من الدولة إلى الجماعات وثالثة استشارية. ونفس الشيء يقال عن اختصاصات الرئيس والتي عرفت توسعا من جهة وتقنينا في علاقتها مع السلطة المحلية من جهة أخرى.



ومن بين المقتضيات الأخرى التي عرفتها القوانين الأخيرة المنظمة للجماعات المحلية ما يتعلق بتحسين تسيير المجالس المحلية وأجهزتها المساعدة وتحسين النظام القانوني للمنتخب الجماعي.



كما كانت القوانين الأخيرة أكثر ايجابية عندما جاءت بتصور جديد لتدبير نظام المدينة محاولة بذلك تجنب سلبيات التي اعترت نظام المجموعات الحضرية خاصة المتعلقة بتداخل الاختصاصات والتفاوتات المالية والاقتصادية وتشتت الطاقات والجهود، وذلك بأخذ نظام موحد للمدينة يقوم على   أساس مجلس جماعي ومجالس مقاطعات قصد وضع تصورات شاملة ومتكاملة للتنمية في قالب يغلب عليه التخطيط الاستراتيجي المتعدد السنوات.



إن نجاح التدبير الاقتصادي للجماعات المحلية يمر حتما عبر توفير شروط التدخلات الاقتصادية سواء المباشرة أو في إطار التعاون والشراكة. وهكذا جاء النظام القانوني بجملة من الإجراءات المحفزة، حيث استبدل نظام النقابات بمفهوم أكبر تعبيرا وهو مجموعة الجماعات وكذا تحفيز الجماعات المحلية بجميع أصنافها على التعاون فيما بينها كلما كان هناك عمل مشترك أو تدبير مرفق ذي فائدة مشتركة. كما عمل المشرع على ضبط المقتضيات المنظمة لها كالاتفاق على موضوع المجموعة ومقرها وآجالها وتسميتها وطبيعة ومبلغ المساهمة المالية، وكذا مسطرة الإنسحاب من المجموعة أو حلها.



وفي هذا الصدد، إذا كان التدبير العمومي للأنشطة الاقتصادية المحلية مهم، فإن المقاربة التدبيرية التشاركية تشكل مستقبل عمل الجماعات المحلية. فمظاهر تعقد المدينة المغربية كثيرة ومتنوعة والحاجيات في تزايد مستمر، الأمر الذي يفرض تعبئة الطاقات وجمع الإمكانيات وفق منهجية محكمة ومتكاملة.



وهكذا فقد تعددت أشكال الشراكة وأفرزت نماذج متعددة، من بينها الشراكة بين الجماعات المحلية والإدارات المركزية والمؤسسات العمومية. وقد وجدنا لهذا الإطار   انتشارا مهما سيما في مجال توزيع الماء والكهرباء ومحاربة السكن غير اللائق والمجال الصحي والتعليمي.



كما شكل التعاقد بين الجماعات المحلية والقطاع الخاص أحد الأشكال المتطورة للشراكة، حيث يساهم القطاع الخاص في إنجاز العديد من المشاريع المبرمجة إما بشكل مباشر أو بتعاون مع الجماعات. وهذا الأسلوب لا يشمل المنعشين العقاريين فقط، بل يمتد إلى أكبر من ذلك بالتعاقد مع شركات كبرى للنقل الحضري وتوزيع الماء والكهرباء أو النظافة وذلك في إطار عقود الامتياز أو التدبير المفوض.



وللإشارة، فإن مظاهر التعاون والشراكة لا تشمل فقط الحدود الجغرافية للوطن، بل تمتد حتى خارجه، إذ يمكن للجماعات المحلية المغربية إبرام اتفاقيات التوأمات والتعاون اللامركزي والانخراط في أنشطة المنظمات المهتمة بالشؤون المحلية وكل أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية بعد موافقة سلطة الوصاية.



إذن، فالإطار القانوني جد محفز وجاء أكثر ايجابية من سابقيه. غير أنه يحتاج في تفعيله إلى محددات أخرى وعلى رأسها الوسائل المادية والبشرية.



ومن بين الوسائل المادية التي تؤثر في الحركة الاقتصادية المحلية نجد المالية المحلية، حيث قام المشرع بعدة إصلاحات إذ منح الجماعات المحلية عدة موارد ذات طبيعة جبائية أو غير جبائية كالأملاك. كما سمح لها باللجوء إلى الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي، دون أن ننسى استفادتها من أجزاء من الضرائب الوطنية كالضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الشركات حسب القوانين المعمول بها في هذا الشأن.



إن التحدي الذي تعرفه المالية المحلية مرتبط أساسا بعاملين أساسيين: الأول يخص تدعيم نسبة استقلالية ميزانية الجماعات المحلية عن إمدادات الدولة، والثاني يتعلق بتقليص مصاريف التسيير التي تهيمن على الميزانيات المحلية، والتي لا تترك هامشا كبيرا للاستثمار والتدخل الاقتصادي.



ومن جهة أخرى فحسن تدبير الجماعات المحلية لا يرتبط فقط بالجانب المالي. بل يشكل التحكم في التوسع العمراني لوحداتنا الترابية احد المؤشرات المهمة لإنجاح ذلك التدبير. فعدم ضبط الامتداد الترابي للمدينة قد يخلق أشكالا ومظاهر متعددة، حيث أن جل المدن فاقت بكثير التوقعات المجالية والزمنية التي حددتها وثائق التعمير، مما يشكل حجرة عثرة لتنمية الوحدات الترابية.



وآنطلاقا من هذا، فإن الأمر يتطلب مقاربة جديدة لتوسع مدننا بتبني منظور شمولي تشاركي يتجاوز تدخلات القطاع الواحد والإدارة الواحدة نحو بناء مشروع حضري متكامل الجوانب ومرتبط بالتنمية.



وللوصول إلى هذا الهدف، يجب تأطير الجماعات بمخططات إستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى وديمقراطية. وذلك بالإعداد التشاوري من قبل جميع المتدخلين من جماعات ومؤسسات عمومية وإدارات مركزية ومجتمع مدني وذوي الخبرة والدراية بالموضوع، مع تحديد الوظائف وتقنين العلاقة بين الشركاء المتدخلين في إطار وضع الاختيارات التنموية وتحديد الميادين التي تحظى بالأولوية.



وتجدر الإشارة إلى أن توفر الجماعات المحلية على إطار قانوني يسمح بالتدبير الاقتصادي ووسائل مالية وتقنية تبقى غير كافية في غياب عنصر بشري كفء، يبلور هذه المؤهلات على أرض الواقع ويخرجها إلى حيز الوجود. فمستوى الموارد البشرية يعتبر من بين المؤشرات المعتمدة في تقييم الأمم وقياس رخائها. كما تشكل حجر الزاوية والركن الأساسي للتنمية الشاملة والمستديمة، إذ كثيرة هي الشعوب التي تتوفر على كافة مقومات نجاح الدولة من ثروات طبيعية وموقع جغرافي وإرث تاريخي وحضاري، غير أنها تصنف ضمن الدولة المتخلفة والسبب في ذلك يرجع إلى تخلف مواردها البشرية.



وإدراكا لهذا، وفي إطار الاختصاصات الكبيرة والواسعة الممنوحة للجماعات المحلية، ولضمان النجاح في رفع التحديات التي تتطلبها التنمية، فإن الأمر يبقى رهينا بمستوى المنتخبين المحلين الذين يملكون المبادرة ويحددون السياسة العامة لجماعتهم المحلية ويخططون لبرامجها. لذلك فكلما كان مستوى المنتخب راق كلما كان عطاء الجماعة أكثر مردودية وإنتاجية. وما يساعد على تأهيل المنتخبين هي سياسة التكوين المستمر التي تهتم بعدة وسائل منها عقد دورات تدريبية داخل الوطن أو خارجها وكذا انفتاح الجماعات المحلية على المحيط السوسيوثقافي كإبرام اتفاقيات مع الجماعات المغربية قصد التكوين، زيادة على دور المناظرات الوطنية للجماعات المحلية كملتقى لاستعراض الخبرات وتبادل المعارف والتجارب والرؤى وطرح الإشكاليات التي تعاني منها الإدارة المحلية، ومن ثمة البحث عن الحلول ووضع استراتيجيات وخطط العمل الممكنة.



ولا يقتصر الإهتمام التي توليه الدولة للعنصر البشري المحلي على الهيئات المنتخبة فقط، بل يمتد الأمر إلى الموظفين الجماعيين الذين يسهرون على تنفيذ قرارات المجالس التداولية للجماعات المحلية. وفي هذا الصدد، قامت هذه الجماعات بمجهودات كبيرة في توظيف الأطر الإدارية والتقنية العليا والمتوسطة. كما عملت الوزارة الوصية على إحداث عدة مؤسسات متخصصة في مجال التكوين وكذا عقد ندوات تأطيرية على المستوى الجهوي شملت على سبيل المثال مواضيع الحالة المدنية والشرطة الإدارية وتدبير الميزانية وإعداد وتدبير مشاريع التنمية.



غير أنه إلى جانب المحددات القانونية والبشرية والمادية، فإن التدبير الاقتصادي المحلي يحتاج إلى مقومات نوعية جديدة ترسخ الحكامة الجيدة. ويمكن الإشارة على وجه الخصوص إلى الشفافية والتواصل والإدارة الالكترونية وتبسيط المساطير الإدارية.



كما تشكل الدعامات ذات الطبيعة الرقابية من بين الإجراءات المهمة التي تساعد في تحقيق تدبير اقتصادي محلي فعال حيث تسمح بتتبع وتقييم العمل المحلي من حيث معرفة مظاهر القوة والضعف التي تمكن من تحديد مستوى أداء الجماعات المحلية وكيفية التعاطي مع الرهانات المطروحة. ومن بين تلك الدعامات يمكن الإشارة إلى مراقبة التسيير والتدقيق الداخلي. فهذه الآليات الأخيرة وإن ظهرت في البداية في القطاع الخاص، إلا أن إدخالها ضمن المنظومة العامة للإدارة الترابية سوف تمكن من تحديث الإدارة المحلية وجعلها أكثر احترافية في خلق الثروة وتنشيط الحياة الاقتصادية والتأثير في القرارات الكبرى للدولة.



وتبدو من خلال ملامسة أهمية الموضوع، الملامح الأولى لعناصر الإشكالية المراد تحليلها عبر مراحل هذا البحث، على اعتبار أن الجماعات المحلية تشكل مستوى مهما لحل مشاكل التنمية. وعليه يمكن طرح الإشكاليات التالية: كيف يمكن تحقيق تدبير اقتصادي فاعل وفعال؟ وهل الإرادة السياسية والجوانب القانونية كافية أم أن الأمر يحتاج إلى وسائل مادية وبشرية متطورة؟ وهل الآليات المرتبطة بالتدبير العمومي المحلي بإمكانها حل إشكالية التنمية والتدخل الاقتصادي أم أن تعقدات مظاهر التسيير الجماعات وتزايد حاجيات السكان تدفع إلى التفكير في آليات أخرى كالشراكات المختلفة سواء مع الإدارات العمومية أو القطاع الخاص والمجتمع المدني؟ وإلى أي حد استطاعت النجاح في ذلك؟ وما هي آفاق تأهيل الجماعات المحلية لربح الرهانات المطروحة عليها؟ وما مدى استعدادها للدخول في عالم العولمة وانفتاح الأسواق؟



وللإجابة على الإشكالية الرئيسية والإشكاليات الفرعية والمتسمة بتشعب محاورها نظرا لتنوع حقول المعرفة التي تشكل منطلقاتها، وجب الإستعانة ببعض مناهج البحث التي من شأنها الإسهام في تحديد الإشكالية والإحاطة بمختلف جوانب الموضوع.



ولهذه الغاية فقد سعينا إلى توظيف المنهج التاريخي الذي ميز تطور الشأن العام المحلي في ارتباطه بتسيير السلطات العمومية سواء بالدول الأجنبية أو داخل المغرب وذلك إيمانا منا أن دراسة ادوار الجماعات المحلية ومهامها المستقبلية لا يجب أن تغيب امتدادها التاريخي للارتباط الوطيد القائم بين الماضي والحاضر.



كما عمدنا إلى الاستعانة بالمنهج الوصفي التحليلي الذي يعتمد على المقاربة النصية لمختلف المقتضيات القانونية ذات الصلة بالموضوع سواء بشكل مباشر كالنصوص المنظمة للجماعات المحلية أو بشكل غير مباشر كالقوانين المؤطرة للمالية المحلية والموارد البشرية والمحاسبة والأملاك، لكن مع دراسة الأسباب والدوافع ومختلف العوامل المؤطرة في فعل الجماعات المحلية.



ولمعرفة مستوى تطور جماعاتنا المحلية وأدائها وحصيلتها وبحث سبل دعمها، ارتأينا توظيف المنهج المقارن الذي يسمح بإلقاء النظر على بعض الدول الناجحة في إقامة لامركزية ترابية حقيقية وبالتالي الاستفادة من تجاربها والانجازات المحققة وخطط عملها، وقد ركزنا بهذا الخصوص على النموذج الفرنسي نظرا للتشابه نوعا ما مع نظيره المغربي دون أن ننسى في بعض الأحيان الإشارة إلى بعض التجارب الأخرى من قبل التجربة الألمانية أو الإسبانية.



وبالنظر إلى المزايا التي يقدمها المنهج التحليلي والمنهج الإحصائي في إعطاء نظرة واضحة على كل قطاع وعن الوسائل والآليات ومختلف الجوانب المرتبطة بعمل الجماعات المحلية، فقد عمدنا إلى الاستعانة بأرقام وإحصائيات جد حديثة وذلك لتمكين القارئ من التعرف على المستوى التي وصلت إليه الجماعات المحلية وكذا توجهاتها المستقبلية، مع الإشارة إلى أننا قمنا بدراسة حالات ميدانية سواء في إطار التدبير العمومي المحلي أو التدبير التشاركي، وذلك بالإطلاع على مختلف الاتفاقيات الموقعة بين الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وكذا بين الجماعات المحلية والقطاع الخاص في إطار عقود بناء أشغال معينة أو في إطار التدبير المفوض.



إن معالجة إشكالية التدبير الاقتصادي العمومي المحلي دفعنا إلى اعتماد خطة البحث تراعي الجوانب المتداخلة للموضوع.



وعليه فقد خصصنا القسم الأول لمعالجة الجماعات المحلية كإطار عام للتدبير الاقتصادي المحلي وذلك من خلال التطرق إلى مختلف الجوانب السياسية والقانونية المتحكمة في تطور أدائها وتوسعها وذلك في ارتباطها بمختلف المحددات المتحكمة فيها سواء الوطنية - بتبني مقاربة تكرس دور الجماعات المحلية في العمل التنموي - أو من خلال التحولات التي يشهدها العالم من الناحية الاقتصادية بسيادة العولمة وانفتاح الأسواق أو بانتشار حقوق الإنسان والديمقراطية.



ولقد انعكست هذه التداخلات على وظيفة الجماعات المحلية، بانتقالها من تدبير عمومي كلاسيكي إلى تدبير أكثر حداثة مرتبط أساسا بالفكر التشاركي والتعاوني.



وسيشكل التطرق إلى وسائل الجماعات المحلية وكذا وظيفتها الاقتصادية ومختلف المحددات التي تتحكم فيها محور القسم الثاني، من خلال التعرف على الوسائل المادية والمتجلية أساسا في المالية المحلية والتخطيط المحلي ومدى مساهمة الجماعات المحلية في ميدان التعمير وإعداد التراب الوطني. لكن دون أن ننسى دور الموارد البشرية ركيزة التدبير الاقتصادي المحلي في ضمان نجاح الجماعات في العمل التنموي.



كما أنه باستعراضنا لأهم الإكراهات والصعوبات التي تواجه عمل وحداتنا الترابية نكون قد قطعنا خطوة مهمة لمعرفة الاختلالات، ومن ثمة البحث عن الحلول والمقترحات مستعينين في ذلك بمختلف التقنيات التي يقدمها مجال التدبير وبالتالي تأهيل الجماعات المحلية لتصبح بالفعل قاطرة للتنمية.







--------------------------------------------------------------------------------



[1] - Huron (D) et Spindler (J): « Le Management public local », L.G.D.J , 1998, p. 2.



[2] - Sedjari (A): « Avant propos de l’ouvrage Etat-Nation et prospective des territoires », éditions L’Harmattan -Gret, 1996, p.1. 



[3] - أحمد بوعشيق: "المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة"، الطبعة الثامنة، 2004، ص 123 وبعدها.



[4] - منشورات وزارة الداخلية على هامش ملتقى الجماعات المحلية 2006، محور التوسع العمراني للمدن، أكادير 12-13 دجنبر 2006، ص 3.



[5] - ملتقى الجماعات المحلية، مرجع سابق ص 7.



[6] - نفس المرجع، ، ص 7.



[7] - Nioche (J.P) : « Science administrative, Management public et analyse des politiques publiques », RFAP, n° 24, 1982, p.635.



[8] - Jean –Marie (D) : « Le Management public », RFAP, N°24, 1982, p.631.



[9] - Mannuel (S.V), et Eric (V.P) : « le Management public » Que sais- je ? n° 2724, 1993,         pp. 5.6.



[10] - Jean Marie (D) : « Le Management public », RFAP, n° 24, 1982, p.631.



[11] - Bruno (C) et Christophe (R) : op.cit, p.31. 



[12] - Alician (S) et Francher (D) : « Guide du management dans le service public », éditions d’organisation, Paris, 1998, p. 17.



[13] - Chevalier (j) et Loschak (D) : « Rationalité juridique et rationalité managériale dans l’administration Françaises », RFAP, op.cit, p. 631.



[14] -Yves Emery : « Origine, Spécificités, et évolution du management », in « Le management territorial, pour une prise en compte des territoires dans la nouvelle gestion publique », Romandes, 1996, pp.92-93.



[15] - Sedjari (A) : « Les nouveaux enjeux de la gestion municipale », séminaire sur la gestion des villes et leur développement, ISCAE, Casablanca, Janvier 2004


Read More

صوتكـ يهمنا

ما هي أسباب تعثر أداء ومردودية الجماعات المحلية؟
 

نصوص ومواثيق

موقع الأستاذ عبدالله الحارسي سيقدم لكم باقة منتقاة من أهم مواضيع الساعة، قوانين وقرارات، ظهائر ومراسيم

أبرز الاجتهادات القضائية في مجال القانون الإداري والقوانين المحلقة

عروض وأبحاث، تراجم ورسائل، عنوانين أمهات كتب الفقه والاجتهادات الإدارية

مرحبا بكم في موقع الأستاذ الدكتور عبدالله حارسي

إحصاءات

عدد اعضاء الموقع : 1
محتويات الموقع : 22
دليل المواقع : 3
زيارات مشاهدة المحتوى : 45663

المتواجدون الآن

يوجد حاليا 2 زوار المتواجدين الآن بالموقع